نشأة وتطور وظيفة التدقيق الداخلي - الكاتب اكرم الوشلي

 نشأة وتطور وظيفة التدقيق الداخلي

د/ أكرم الوشلي
صادرة من المدقق الداخلي مجلة متخصصة صادرة عن جمعية المراجعين الداخليين اليمنية العدد الاول.

بدأ الاهتمام بالتدقيق الداخلي منذ اربعينيات القرن الماضي مع نشوء المعهد الآمريكي للمراجعين الداخليين، وهى حديثة العهد مقارنة بالمراجعة الخارجية، إلا أنها لاقت قبولاً كبيراً فى الدول المتقدمة، خاصة في العقد الاخير من القرن الماضي، نتيجة لما شهدت بيئة الاعمال العالمية من كوارث مالية وأنهيارات لعدد من كبار الشركات في العالم. وقد مر تطور التدقيق الداخلي بعدة مراحل ارتبطت بنطاق المراجعة ومدخل المراجعة المراجعة السائد في تلك المرحلة.
- مدخل المراقب المالي (منذ الاربعينيات حتى 1957)
في بداية ظهورها بدأت وظيفة التدقيق الداخلي داخل المنظمة تركز في المقام الأول على الحماية الاصول والنقدية من السرقة والاختلاس، ثم امتد نطاقها فيما بعد ليشمل التحقق من كل المعاملات المالية تقريبا، ثم انتقلت ولا تزال تدريجياً من "التدقيق للإدارة" إلى التركيز على "مراجعة الإدارة". وكانت النظرة التقليدية للمراجعين الداخليين في تلك المرحلة بأنهم "كرجال الشرطة" مهمتهم التحقق من/ ومراقبة سلامة إجراءات الشركة ومستوى الالتزام بقواعد العمل، وكان نشاط المدقق الداخلي في هذه الفترة وثيق الصلة بعمل المراجعين الخارجيين وامتداداً له، من خلال الدعم الذي يقدمه المدقق الداخلي للمراجع الخارجي في فحص الانشطة المالية والمحاسبية التي تعد أساساً لاعداد القوائم المالية. وقد اعتبر هذا الدور للمدققين الداخليين في هذه المرحلة متواضعاً إلى حد ما نظراً لمسؤوليتهم المحدودة داخل التنظيم الإداري.
(Reeve, 1986, Moeller & Witt, 1999, Skinner and Spira, 2003).
- مدخل الرقابة الداخلية في المراجعة (1957-1999)
منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي بدأ نطاق عمل وظيفة التدقيق الداخلي ينتقل إلى مرحلة أخرى تركز على فحص نظام الرقابة الداخلية بشكل رئيسي. فقد وسع بيان مسؤوليات التدقيق الداخلي الصادر في عام 1957م من نطاق التدقيق الداخلي بشكل كبير ليشمل العديد من الخدمات أهمها فحص وتقييم سلامة وكفاية وتطبيق الضوابط الرقابية في المنظمة المتعلقة بالعمليات المالية والتشغيلية، وحماية الأصول، والامتثال للسياسات والخطط والإجراءات، وموثوقية البيانات المحاسبة، وتقييم جودة الأداء (IIA,1957). وأستمر مدخل الرقابة الداخلية محور أنشطة التدقيق الداخلي حتى نهاية التسعينات، حيث عزز إطار الممارسة المهنية الصادر عن المعهد عام 1993م، هذا الدور، فقد أكد هذا البيان على أن نطاق التدقيق الداخلي يشتمل فحص وتقييم مدى كفاية وفعالية نظام الرقابة الداخلية في المنظمة وجودة الأداء (IIA,1993).
- مدخل إدارة المخاطر والرقابة والحوكمة (منذ 1999م)
وشهدت نهاية التسعينيات من القرن الماضي تغييرات جذرية في وظيفة التدقيق الداخلي، وسعت من نطاقها على نحو يتطلب من المدقق الداخلي تقديم إسهامات كبيرة للمنظمة استجابة للمتطلبات التنظيمية الجديدة التي تضمنتها عدد من التقارير الصادرة عن المنظمات المهنية، مثل تقرير لجنة (Treadway,1987) وتقرير لجنة (COSO, 1992) في الولايات المتحدة، وتقارير لجنة(Cadbury) في المملكة المتحدة. واستجابة لهذه المتطلبات فقد أستمر معهد المراجعين الداخليين الأمريكي في عملية تطوبر وتنقيح إطار الممارسة المهنية. حيث تضمن إطار الممارسة المهنية الصادر عام 1999م تعريفاً جديداً للتدقيق الداخلي نص على أنها "نشاط مستقل يتسم بالموضوعية وذو طابع استشاري، يهدف إلى إعطاء قيمة مضافة وتحسين عمليات المنظمة، بما يساعدها في تحقيق أهدافها، من خلال إتباع منهج منتظم يتسم بالشفافية لتقييم وتحسين فعالية كل من عمليات إدارة المخاطر والرقابة والحوكمة (IIA, 1999).
ووسع التعريف الجديد من مجال التدقيق الداخلي ليشمل مختلف البيئات القانونية والثقافية؛ وفي جميع المنظمات التي تختلف في الغرض والحجم والبنية. وتغير نطاق وأنشطة التدقيق الداخلي من أنشطة التأكد من مدى الالتزام بالسياسات والاجراءات والحفاظ على الأصول إلى خدمات تأكيد وخدمات استشارية جديدة تضيف قيمة للمنظمة من خلال دورها في مراقبة وتقييم وتحسين إدارة المخاطر وعمليات الرقابة والحوكمة، وهي أمور حيوية للحفاظ على/ وتعزيز قيمة أصحاب المصلحة. بمعنى آخر، ترتب على إدراج خدمات التأكيد والخدمات الاستشارية في تعريف التدقيق الداخلي تحول التدقيق الداخلي إلى نشاط استباقي، يركز على قضايا هامة مثل الرقابة وإدارة المخاطر، والحوكمة، وهو ما يتطلب من المدقق الداخلي تصميم التدقيق الداخلي بحيث يتمكن من إضافة قيمة للمنظمة ويساهم في تحسين عمليات المؤسسة. كما أن خدمات التدقيق الداخلي تحولت من التركيز على الاكتشاف إلى المنع، وانتقل المدققين الداخليين من منهج المواجهة مع الإدارة إلى منهج التعاون مع الإدارة، وتغير منهج المراجعة من الرقابة الداخلية إلى أساس المخاطر والتركيز على الخدمات الاستشارية. وقد تم تكريس هذا الدور لوظيفة التدقيق الداخلي في التنقيحات التالية التي قام بها معهد المراجعين الداخلية لإطار الممارسة المهنية في عامي 2002، و2004م.
(Bou-Raad, 2000, Gray, 2004, Hass, et al.,2006, )
وفي ظل هذا التوجه ذكر (Sawyer, 2003) وهو أحد أشهر المنظرين في مجال التدقيق الداخلي في العالم، وتولى إدارة معهد المراجعين الداخليين الامريكي لفترة طويلة، ذكر بأن هدف التدقيق الداخلي في الوقت الحاضر هو تقديم تقييم منهجي وموضوعي من قبل المدققين الداخليين للعمليات والضوابط الرقابية المختلفة داخل المؤسسة، تهدف إلى تحديد ما إذا كانت: 1) المعلومات المالية والتشغيلية دقيقة وموثوق بها، 2) يتم تحديد المخاطر التي تتعرض لها المؤسسة والتخفيف منها، 3) يتم إتباع الأنظمة الخارجية والسياسات والإجراءات الداخلية، 4) يتم الإيفاء بمعايير التشغيل المقبولة، 5) يتم استخدام الموارد بكفاءة واقتصادية، 6) يتم إنجاز أهداف المنظمة بفعالية. وكل ذلك بغرض تقديم المشورة لإدارة المنظمة ومساعدتها في القيام بمسؤولياتهم الإدارية بفعالية.
وفي الوقت الحاضر أصبح للتدقيق الداخلي معايير دولية تنظم تكوين وعمل هذه الوظيفة واخلاقياتها، وهذه المعايير صادرة عن المعهد الامريكي للمراجعين الداخليين (IIA)، والذي يعد من أقدم المعاهد وأعرقها، وأكثرها خبرة على مستوى العالم في تطوير ارشادات ومعايير واخلاقيات التدقيق الداخلي. كما تعد الشهادة المهنية التي يمنحها المعهد (CIA) شهادة معترف فيها عالمياً، ويعتبر الحصول عليها مؤشر كبيراً على كفاءة وخيرة المدقق الداخلي.

- التدقيق الداخلي في اليمن
أما في اليمن فقد تأخر الاهتمام الكافي بوظيفة التدقيق الداخلي إلى عام 2004م، فبرغم صدور عدد من القرارات التي تنظم وظيفة التدقيق الداخلي في وحدات الجهاز الإداري للدولة، مثل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (25) لسنة 1986م، والقرار رقم (21) لسنة 1999م وتضمن بعض التشريعات لاشارات بسيطة عن التدقيق الداخلي، إلا أنه ظل ينظر لوظيفة التدقيق الداخلي من منظور تقليدي من خلال الدور الذي تقوم به إدارات الرقابة والتفتيش، كما لم تتضمن هذه القرارات لتحديد واضح لهيكلة وتنظيم هذه الادارات وكفاءة العاملين فيها، فضلاً عن عدم تحديدها للجهة المعنية بالاشراف على هذه الوظيفة المنتشرة في مرافق واجهزة الدولة.
ولعل ما تضمنته تعليمات البنك المركزي اليمني في المنشور رقم (6) لسنة 1997م، كانت أفضل حالاً من بقية التشريعات من حيث التفصيل والالزام، وقد يرجع ذلك لخطورة هذا القطاع وأهميته للاقتصاد الوطني، حيث تلزم تعليمات هذا المنشور البنوك بأنشاء وظيفة للتدقيق الداخلي في البنك مستقلة عن الإدارة التنفيذية كجزء من نظام الرقابة الداخلية للبنك، ترفع تقاريرها إلى مجلس الإدارة ولا تمارس أي أعمال تنفيذية، على أن يتم موافاة البنك المركزي بشكل دوري بنسخة من تلك التقارير. وبرغم أن تلك التعليمات تضع مدير التدقيق الداخلي من ضمن كبار الموظفين في البنك، ألا أنه لم يتم تحديد معايير خاصة لتنظيم عمل وظيفة التدقيق الداخلي، وخول القانون البنوك صلاحية وضع المعايير التي تنظم وظيفة التدقيق الداخلي.
وفي عام 2004م بدأ الاهتمام العلمي الجاد بالتدقيق الداخلي في الجهاز الإداري للدولة، حيث بدأت في هذا العام بعض التحركات الرسمية لتفعيل هذه الوظيفة في وحدات القطاع العام. وكانت البداية بدراسة قام بها مكتب مراجعة (PricewaterhouseCoopers, 2004) بالاشتراك مع الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة استهدفت تقييم وضع التدقيق الداخلي في الجهاز الاداري للدولة من الناحيتين الموضوعية والقانونية، في ضوء القوانين المؤثرة على وظيفة التدقيق الداخلي مثل قرار رئيس مجلس الوزراء رقم (25) لسنة 1986م، والقرار رقم (21) لسنة 1999م، ، والقوانين الأخرى مثل القانون المالي. وخلصت الدراسة إلى أنه برغم وجود كيان تنظيمي لإدارة التدقيق الداخلي في وحدات الجهاز الإداري يتمثل في ادارة الرقابة والتفتيش، إلا أنه لم يتم تفعيل تلك الإدارات لعدة أسباب منها عدم اكتمال هياكلها التنظيمية، وعدم وجود التأهيل المناسب للأفراد القائمين على هذه الإدارات، وأيضاً عدم وضوح اختصاصات وظيفة التدقيق الداخلي وعلاقاتها بالإدارات الأخرى. ونتيجة لهذه الدراسة فقد صدر مشروع لمعايير مراجعة داخلية يمنية لا تختلف كثيراً عن معايير التدقيق الداخلي الدولية، وبرغم ذلك لم يتم تبنيها بشكل رسمي حتى تاريخه. وبناء على نتائج هذه الدارسة صدر في يناير 2010م قرار جمهوري رقم (5) لسنة 2010م بشأن إعادة إنشاء وتنظيم وظيفة التدقيق الداخلي بوحدات الجهاز الإداري للدولة والقطاعين العام والمختلط. وبرغم أن القرار قد تطلب أنشاء وظيفة للتدقيق الداخلي وتفعيلها في جميع وحدات الجهاز الاداري للدولة وتوسع في الانشطة الموكلة لوظيفة التدقيق الداخلي بحيث تشمل مراجعة الفعالية والكفاءة بالاضافة إلى المراجعة المالية، ألا أن القرار لم يفعل على الواقع حتى الأن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل وزارة المالية وخطوط الدفاع الثلاثة و منظمة COSO

لا تخلط بين الاستقلالية والموضوعية