التدقيق الداخلي: لماذا فضاء التدقيق قد يكون مجرد كوكب؟ - الكاتب محمد خميس

التدقيق الداخلي: لماذا فضاء التدقيق قد يكون مجرد كوكب؟
محمد خميس
يستكشف كيفية الانتقال من التدقيق إلى عالم المخاطر
صادرة من المدقق الداخلي مجلة متخصصة صادرة عن جمعية المراجعين الداخليين اليمنية العدد الثاني

شهد مجال التدقيق الداخلي تحولاً كبيراً خلال العقد الماضي، فمن خلال بيئة الأعمال المتغيرة باستمرار والتي شهدت تسارع في الأسواق العالمية، وتقلبات في الأوضاع الاقتصادية، وظهور الأزمات والفقاعات الاقتصادية فضلا عن البيئة القانونية المتغيرة باستمرار، كان على مهنة التدقيق الداخلي التكيف والرضوخ للبيئة من حولها حفاظاً على مكانتها باعتبارها صمام الأمان لممارسات الأعمال الجيدة.
أصبح نهج قوائم التدقيق التقليدية (قوائم الاستقصاء) للتدقيق الداخلي منقرضاً تقريبا حيث أن معظم إن لم يكن كل المنظمات تتبنى النهج القائم على أساس المخاطر.
وقد أكد هذا التحول على أهمية وظيفة التدقيق الداخلي وارتقى بدورها لتكون بمثابة مستشار مستقل بصلاحيات تؤثر مباشرة على آلية اتخاذ القرارات الاستراتيجية لمجلس الإدارة. وفي حين لعب النهج القائم على أساس المخاطر دورا رئيسا في خلق قيمة مضافة والحفاظ عليها إلا أننا لا نزال نجد العديد من المدققين الذين يطبقون النهج القائم على أساس المخاطر يفشلون في معالجة بعض المخاطر الرئيسة وإجراءاتها الرقابية في المنشآت التي يعملون لديها. والسبب في ذلك يعود إلى محدودية ومرونة الطرق التي يتم تطبيقها من أجل تحديد وتقييم المخاطر أثناء عملية التخطيط السنوية.

حول الفضاء
يعمل معظم المدققين عادة ضمن "فضاء التدقيق" الخاص بهم، وهو المصطلح المتفق عليه في تمثيل كافة النواحي الجديرة بالفحص خلال دورة حياة عملية التدقيق (والمعروف وفقا للمعايير بـ " نطاق التدقيق").
يتم في أغلب الأحيان تعريف فضاء التدقيق بالاستناد إلى إطار فكري مبنى على أساس العمليات، وبمعنى آخر يتم تحديد المخاطر وإجراءاتها الرقابية بافتراض مسبق لوجود مجموعة من الإجراءات يتم تقييمها من أجل وضع الخطة السنوية لعملية التدقيق الداخلي، فعند تطبيق هذا النهج قد يقوم المدققون (وهذا عادة ما يحدث) بالنظر إلى بيئة المخاطر التي يعملون فيها (أي فضاء التدقيق) بشكل أعمى، ويتم إغفال النظر عن بعض المخاطر الرئيسة التي قد تكون سقطت في ثنايا بيئة المخاطر.
ونتيجة لهذه التحديات، فإننا نرى أبرز ممارسي مهنة التدقيق الداخلي ورؤساء تدقيق تنفيذيين يناصرون فكرة تبني فضاء المخاطر" (نطاق المخاطر) دونا عن فكرة " فضاء التدقيق" بغرض تقييم المخاطر والتخطيط لمراحل دورة حياة عملية التدقيق. في حين أن أغلب المخاطر ستظل تُستقى من عمليات المنشأة المختلفة.
فإن "فضاء المخاطر" سيظل مهتماً بالمخاطر العليا للمنشأة والتي ثبت بانها وهمية التدقيق (أي غير قابلة للتدقيق)، مثل مخاطر السمعة، والمخاطر الاستراتيجية، والمخاطر التي ترتبط بشكل مباشر بحقوق المساهمين. وبالتالي فإنه يقع على عاتق المدققين الداخليين التأكد من أن منهجيتهم في تقييم المخاطر والتخطيط للتدقيق تصل إلى التوازن الصحيح بين النهج التصاعدي (من أسفل الى أعلى، أي المبني على أساس العمليات) والنهج التنازلي (من أعلى الى أسفل، أي المبني على أساس حقوق المساهمين، وهو الذي يرتكز على نظرة المساهمين الشاملة للمنشأة).
كشفت الدراسات والاستطلاعات الحديثة التي أجريت من قبل شركات التدقيق الأربع الكبرى في دول مجلس التعاون الخليجي أن اعضاء لجنة التدقيق في المنطقة يرون بأن عدم التركيز على المخاطر الناشئة حديثا هو أحد أكثر التحديات شيوعا التي يواجهونها في منشآتهم، ويرمز هذا الى استمرار تطبيق النهج التقليدي المبنى على تحديد المخاطر بناءا على العمليات بدلا من التركيز على المخاطر التي تهم فعليا المساهمين والمنشأة ككل.

الخطوات المحفوفة بالمخاطر
لهذا السبب، بدأ العديد من مهنيي التدقيق بالانتقال إلى فكرة "فضاء المخاطر" (نطاق التدقيق الداخلي) والتي تنطوي على طريقة أكثر انفتاحا لتحديد المخاطر القابلة للتدقيق، وإجراءاتها الرقابية، وعملية المراقبة المستمرة للتأكد من فعالية تلك الإجراءات. ومن أجل إنجاح ذلك يجب على المدققين الداخليين التخلص من ممارسة تقليدية أخرى، هي التقييم السنوي للمخاطر ومن هذا المنطلق، أنا لا أدعوا بأي شكل من الأشكال إلى التخلص من عملية التقييم السنوية للمخاطر، بينما في الواقع أؤيد فقط حذف كلمة "السنوية" واستبدالها بكلمة "المستمرة". وخلافا للمخاطر الإجرائية ذات المعيار الثابت نسبيا، تتطلب المخاطر الناشئة حديثا التقييم والمراقبة المستمرة للتأكد أن الرقابة وخطط المعالجة معدة بشكل كاف لإدارتها.

إن دور المدقق الداخلي في هذه العملية يكمن في الاستفادة من المعلومات المستمدة من التقييم المستمر وتعديل خطة التدقيق لتشمل فحص الرقابة حول هذه المخاطر الناشئة حديثا، نتيجة لذلك، فقد أصبحت خطة التدقيق الديناميكية بمثابة شرط لمعالجة المخاطر المتغيرة بشكل استباقي. هذا الإجراء مقترن مع التدقيق المستمر وفكرة " فضاء التدقيق" سينقل وظيفة التدقيق الداخلي بشكل فوري من كونها مزود لخدمات التأكيدات لوحدات منفردة قابلة للتدقيق إلى مزود خدمات التأكيدات على المخاطر التي تؤثر على أهداف المنشآت ككل.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل وزارة المالية وخطوط الدفاع الثلاثة و منظمة COSO

نشأة وتطور وظيفة التدقيق الداخلي - الكاتب اكرم الوشلي

لا تخلط بين الاستقلالية والموضوعية