التوافق الإستراتيجي

 التوافق الإستراتيجي

جيسون بيت
جيسون بيت، محاسب قانوني معتمد
صادرة من المدقق الداخلي مجلة متخصصة صادرة عن جمعية المراجعين الداخليين اليمنية
العدد الثالث
وظائف التدقيق الداخلي يمكن أن تتبع أربع خطوات من أجل تدخل أفضل في المبادرات الإستراتيجية
تعد بيئة الأعمال هذه الأيام مجال غير مألوف للكثير. فالشركات تتوسع في أسواق جديدة وتقوم بالاستحواذ وتشكل مشاريع مشتركة وتبتكر بشكل جذري محفظات لمنتجاتها وخدماتها، وتدخل قطاعات جديدة.
ووفقًا لدراسة حالة مهنة التدقيق الداخلي 2015 لشركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، فقد قامت أو تقوم ما يقارب من %70 من الشركات إجمالاً بتحويل الأعمال استجابة لتحولات السوق. كما يتوقع ما نسبته %12 بأن الاستجابة تتم في غضون 18 إلى 24 شهرًا.
ومع هذا التحول الجذري في الأعمال التجارية، فإن الشركات تواجه المزيد من المخاطر الجديدة والمتأصلة وبشكل أكثر تعقيداً.
في فترات التحول، فإنه من الأهمية بمكان أن تبقى وظيفة التدقيق الداخلي وثيقة الصلة، بمحور اهتمامها من خلال المخاطر من خلال التركيز على المخاطر الملائمة في الوقت الأمثل لأي عملية. ويمكن للتدقيق الداخلي أن يحقق نتائج أفضل من خلال التدخل الاستباقي في المبادرات الإستراتيجية.
تميز وظائف التدقيق الداخلي رفيعة المستوى
في المنشآة التي ترى فيها الإدارة العليا ومجلس الإدارة أن إدارة التدقيق الداخلي تقوم بخلق قيمة مضافة وبشكل كبير تساهم بإضافة قيمة بالغة الأهمية لمنشأتهم، فإنه غالباً ما يتم إشراك التدقيق الداخلي في أكثر مبادرات الأعمال أهمية. وفي الواقع، ووفقاً لتقرير شركة برايس ووترهاوس كوبرز، تتداخل وظائف التدقيق الداخلي في المبادرات التحولية للشركة وبوتيرة تصل إلى ضعف ما تتدخل فيه مثيلاتها. ويلاحظ التقرير بأن من بين أكثر الوظائف التي يُرى أنها تسهم وتضيف في قيمة الاعمال هي تلك التي ترتبط وتنخرط في المجالات الرئيسية للمنشآت، بدءاً من تنفيذ استراتيجيات الخصوصية والأمن الحديثة والمتطورة، وصولا إلى مبادرات تخفيض التكلفة والمنتجات الجديدة وتطوير الخدمات.
توجد علاقة واضحة بين إدراك أصحاب المصلحة لقيمة التدقيق الداخلي وتدخلاتها الاستباقية في المبادرات الإستراتيجية.
حيث تقدم ما يقارب من نصف وظائف التدقيق الداخلي رفيعة المستوى هذا المنظور الاستباقي مقارنة بـ %19 من وظائف التدقيق الداخلي الأقل قيمة إستراتيجيا.
وهذا لا يعني بالضرورة أن التدقيق الداخلي يوفر مدخلات بشأن ما يجب أن تكون عليه المبادرات الإستراتيجية، بل أن التدقيق الداخلي سباق في توفير مدخلات بشأن المخاطر المرتبطة بالمبادرات الحساسة للمنشأة، وفي تقديم المشورة بشأن العمليات والحوكمة وأنظمة الرقابة قبل حدوث المخاطر.
وتشمل المجالات التي تعتبر فيها أكثر من نصف وظائف التدقيق ذات القيمة العالية سابقة للمخاطر (أو تقدم منظوراً استباقياً بشأن المخاطر التي تنشأ من مبادرات إستراتيجية) كاستراتيجيات الابتكار والتسويق والمبيعات، أو كالزيادة في إدارة المخاطر واستثمارات الامتثال، والتغيرات في التكنولوجيا، والتوسع الجغرافي، بل وحتى في نموذج الأعمال العام في حد ذاته. حيث تعتبر هذه العلاقة بحد ذاتها أكثر وضوحا في الطرف الآخر من منظومة القيمة، حيث توجد وظائف التدقيق التي لا تضيف قيمة بذلك القدر وغالباً ما يتم إشراكها تفاعلياً في المبادرات – بواسطة عمليات التدقيق وأنظمة الرقابة بعد حدوث المخاطر.
التدخل الاستباقي
بما أن وظائف التدقيق الداخلي الرائدة تتوافق مباشرة مع التوجه الاستراتيجي للمنشأة وتقدم منظورات استباقية بشأن المخاطر، فإن أصحاب المصالح يدركون أن القيمة التي يحققها التدقيق الداخلي تُقاس بالمخاطر التي تم اكتشافها ومناقشتها والتي تم التحوط منها أو تقبلها، وذلك أثناء تقدم المنشأة وبالسرعة التي يمكن بها اتخاذ قرارات مع فهم المخاطر بشمولية أكبر بدلًا من الاعتماد على كمية تقارير التدقيق الصادرة أو النتائج المكتشفة وملاحظات التدقيق الواردة فيها.
تقديم المشورة الاستباقية في عدة أشكال
فمن خلال التدخل عن قرب، يكون للتدقيق الداخلي حضور دائم داخل المنشأة. وإذا كانت هناك خطة تدقيق، فيجب أن تكون مرنة وتتطور باستمرار بحسب المخاطر التي تواجه المنشأة. ولا يجب بالضرورة أن تتجلى هذه المشورة في صورة عملية تدقيق، وليس أيضاً بالضرورة أن يتمثل التبليغ في تقرير تدقيق تقليدي . لذا تتخذ وظائف التدقيق الداخلي رفيعة المستوى أربع خطوات على الدوام بما يضمن تدخلها:
1. المشاركة المنتظمة في مناقشات التخطيط الإستراتيجي مع المدراء التنفيذيين في المنشأة لتبقى جهود التدقيق الداخلي متوافقة مع توجه الاعمال وللحث على إجراء نقاشات بشأن المخاطر ذات الصلة في المراحل الأولى. وبما أن أهداف المنشأة تتغير بشكل متسارع، فإن المشاركة المنتظمة للتدقيق الداخلي في نقاشات التخطيط الإستراتيجي يساعد على تقديم إرشادات استباقية بشأن المبادرات الجديدة وكذلك التخطيط لكيفية إضافة قيمة فعالة للمنشأة في المستقبل.
2. الموائمة بين فريق التدقيق الداخلي وطريقة هيكلة المنشأة مما يُكسب إلماماً أكبر بالعمل ويعمّق العلاقات مع المنشأة. كما يتم توافق التدقيق الداخلي مع قطاعات الأعمال أو الفئات/ المجموعات الوظيفية الأخرى، أو في حالة ما إذا كانت المنشأة مترابطة شبكياً، من خلال توافق المدققين مع كل من خط الأعمال والوحدة الوظيفية. كما يقيم المدققون الداخليون نقاط تواصل وعلاقات مستقرة وقنوات اتصال مفتوحة، والتي من خلالها يعزز المدققون حاسة الحكم والترجيح الصائب لدى المهنيين ويقدمون المشورة بشأن المخاطر بصورة مستمرة ودورية.
3. التوافق والتجاوب بفاعلية أكبر مع المخاطر الأخرى ووظائف إدارة الامتثال لضمان وجود تركيز مشترك على المخاطر، وخصوصًا المخاطر المرتبطة بالتوجه الإستراتيجي للمنشأة. وكلما تحسن التوافق يمكن أن يقل المجهود الذي يبذله المشاركون في إدارة المخاطر – التقليل من احتمال تكرر التدقيق على المجموعات المدققة نفسها- كما يمكن أيضًا أن يؤدي هذا التوافق إلى تعزيز الكفاءة – تكون لدى خطوط الدفاع رؤية واضحة بشأن المعلومات التي تصدرها الخطوط الأخرى ونتيجة لذلك تكون أكثر قدرة على الاستفادة من تعزيز عملها.
4. الحصول على دعم أصحاب المصالح من الأعلى. حيث يمثل توجيه تدخل التدقيق الداخلي في المبادرات الإستراتيجية، بموجب إسناد ودعم من «الرؤساء التنفيذيين وكذلك لجنة التدقيق في مجلس الإدارة» ، والذي يولد دعم متواصل ناتجاً عن القيمة المتوافقة المستمدة من تدخل التدقيق الداخلي. إذ يؤدي تقديم القيمة إلى دعم الأطراف المعنية، الأمر الذي يسفر أيضاً عن فرص أكبر لإضافة قيمة. ولبدء هذه الدورة، يتحرى التدقيق الداخلي الفرص ليفوق التوقعات وينخرط في العمل بطرق جديدة مبتكرة. وعندما يعمل التدقيق الداخلي والأطراف المعنية معًا لتحرير كيف وأين يجب أن يساهم التدقيق الداخلي، قد لا يؤدي ذلك إلى تحسن مستوى توافق أهداف الأعمال وتوجهاتها عامة فحسب بل يُظهر أيضًا كفاءة وقيمة أكبر مستمدة من مخرجات ونتائج التدقيق الداخلي.
الكفاءات المناسبة
من الواضح أنه للاستمرار في إضافة القيمة من خلال مواصلة تنفيذ إستراتيجية توافق وظيفة التدقيق الداخلي مع أنشطة الأعمال ومع مبادرات الأعمال الإستراتيجية، يجب أن تحوي الوظيفة موارد مهنية، لديها مهارات فنية وملمة بالصناعات في القطاعات المختلفة.
وبدون وجود أسس توفر الكفاءات والخبرات المناسبة، فإن وظيفة التدقيق الداخلي ستنحصر في تنفيذ مهامها بالقدرات الموجودة لديها، حيث لن تسعى إلى تقديم مستويات أفضل للقيمة التي ينبغي أن تقدمها، وبما يتوائم مع التوجه الإستراتيجي.
وفي المقابل، يمكن لوظيفة التدقيق الداخلي أن تقدم خدماتها بأفضل الكفاءات خلال التركيز على المخاطر المرتبطة بالتوجه الإستراتيجي للأعمال، والذي بدوره يوصل المنشأة لأهدافها المنشودة، كونها تمثل مشاركاً رئيسياً في المبادرات الإستراتيجية للأعمال.
إعداد خارطة طريق
على الرغم من أن معظم وظائف التدقيق الداخلي قد بينت مدى الحاجة إلى تطوير إداراتها بطريقة ما من خلال إدارة المخاطر الجديدة، وإضافة مهارات جديدة والتعاون مع الوظائف الأخرى التي تُعنى بالمخاطر وتطبيق التكنولوجيا، إلا أنه يوجد لدى عدد قليل منها خطة وبطريقة منفردة لتحقيق هذه الأهداف.
فبدون وجود هذه الخطة، فإنه من الصعوبة بمكان موائمة رؤية التدقيق الداخلي ورسالته واتخاذ الخطوات اللازمة لتطوير الوظيفة؛ لذلك يجب أن يبدأ التدقيق الداخلي بتطبيق خارطة طريق.
يمكن أن يتجه التدقيق الداخلي صوب تدخلات أكثر استباقية في المبادرات الإستراتيجية.
وفي الوقت نفسه يمكن أن يبدأ عملية التخطيط الإستراتيجي بحيث يطور قدراته في التوافق مع الضرورات الأشمل للأعمال، وبذلك يكون للتدقيق الداخلي خارطة طريق يمكنه من خلالها تطوير الكفاءات وتحقيق توافق أفضل والاستثمار في التكنولوجيا وتقديم قيمة ذات مستويات عالية كذلك.
وظائف التدقيق المتوافقة استراتيجيًا
تبتكر وظائف التدقيق الداخلي وتتوافق مع إستراتيجيات الأعمال المهمة بطرق شتى، إذ إن الإدارات تتكيف مع بيئة المخاطر المتغيرة كي تبقى مساهمًا نافعًا ذا قيمة في إدارة الأعمال.
- في المؤسسة المالية، يتم التدخل في المبادرات الاستراتيجية يدًا بيد مع العميل عبر خطوط دفاع. ويلتقي ويجتمع التدقيق الداخلي بانتظام مع رواد إدارة المخاطر والامتثال وغيرهم من قادة خطوط الدفاع من الدرجة الثانية لمناقشة العمل الذي يجري تنفيذه والتكافل الذي يمكن إنجازه وأين يمكن تحقيق توافق أفضل. وبالتعاون مع إدارة المخاطر في المؤسسات، يتبع التدقيق الداخلي إطار إدارة المخاطر في المؤسسات ويقيّم المخاطر الناشئة للمنشأة. وحيث أن إدارة المخاطر في المؤسسات تحدد المخاطر، فإن التدقيق الداخلي جزء من عملية التقييم ويمكن أن يقدم مدخلات عن المخاطر الأخرى المحتملة الناشئة أو الرئيسية للمنشأة.
- في شركات الخدمات المالية، حيث أن التدقيق الداخلي هو صاحب الاختصاص بجميع المبادرات الرئيسية إلا أنه منخرط بفعالية في كل واحدة منها. ويصنف التدقيق الداخلي المخاطر المرتبطة بالمبادرات ويعكف بتعمق أكبر على تلك المبادرات التي تنطوي على أشد المخاطر المتبقية. ويراجع التدقيق الداخلي خطط المشروع ونقاط التحول والإنجاز، ويبلغ الإدارة ولجنة التدقيق، ويقدم وجهة نظر مستقلة بشأن حالة المبادرات الرئيسية وبيانات المخاطر كلما أحرزت تقدمًا.
- تزيد منشآت الصناعات الصحية بشكل ملحوظ من استخدامها للتعاقد الخارجي مع أطراف ثالثة لإدارة المخاطر التكاليف والدخول تدريجيًا في مبادرات مشتركة تركز على النمو. وكلما انطلقت هذه البرامج، يصبح التدقيق الداخلي مشارك في كل عملية تقريبًا. فعلى سبيل المثال، بما أنه يتم تقاسم الملكية الفكرية بين الشركات في المبادرات المشتركة, يقيّم التدقيق الداخلي عمليات الطرف الثالث وأنظمة الرقابة لمعرفة مستويات أمن بياناتها والخصوصية. وكلما زاد عدد هذه البرامج، يعيد التدقيق الداخلي تخصيص الموارد ويغير المهارات المطلوبة لمراقبة المخاطر الجديدة المرتبطة بهذه العلاقات.
-يبدأ تدخل التدقيق الداخلي في المبادرات الرئيسية في منشآت التجزئة والمستهلك باجتماعات مع أصحاب المبادرة الاستراتيجية وتسيير جلسات تركز على المخاطر الجديدة المحتملة الكامنة في كل مبادرة. ويكون التركيز في هذه الجلسات على اكتشاف المخاطر التي تؤثر تأثيرًا كبيرًا على المنشأة وعلى تحديد استراتيجيات تخفيف معينة. وما إن تحدد المنشأة المقاييس التي ستحدد مدى نجاح المبادرة وإدارة المخاطر، يقيّم التدقيق الداخلي هذه المقاييس ومن ثم يضبطها ويراقبها كل ثلاثة أشهر على أساس ربع سنوي.
- يعتمد التدخل الاستباقي على وعي التدقيق الداخلي بالمبادرات والمشاركة مع الأطراف المعنية. ولإنجاز ذلك تتبع وظيفة التدقيق الداخلي لأحدى شركات التكنولوجيا الهيكل التنظيمي المصفوفي بموارد متوائمة مع المنتج وإجراءات عمليات الشركة. وهذا الاختصاص يمكِّن التدقيق الداخلي من المساعدة في تعزيز علاقات عميقة مع فريق المنتجات، والحرص على توخي اليقظة النشطة الفاعلة بشأن إدارة الأعمال وفهم واكتشاف المخاطر الجديدة والناشئة بفاعلية أكبر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل وزارة المالية وخطوط الدفاع الثلاثة و منظمة COSO

نشأة وتطور وظيفة التدقيق الداخلي - الكاتب اكرم الوشلي

لا تخلط بين الاستقلالية والموضوعية