الشك المهني - ربيكا هيث

 الشك المهني

ربيكا هيث
ربيكا هيث، دكتوراه فلسفة، مدقق داخلي معتمد (CIA)، محاسب قانوني معتمد (CPA)، أستاذة مساعدة في المحاسبة في جامعة ولاية تينيسي الوسطى في مورفريسبورو.
صادرة من المدقق الداخلي مجلة متخصصة صادرة عن جمعية المراجعين الداخليين اليمنية العدد الثالث

الشك له تأثير كبير على قدرة المدقق الداخلي والتعامل مع المهمة بموضوعية.
لكي يستطيع للمدقق الداخلي إتمام أي نشاط تدقيق بنجاح يجب أن يكون لديه القدرة على إبداء الموضوعية في تعامله مع المهمة وتأديتها. إلا أن ذلك قد يكون أصعب القدرات التي ينبغي تطوريها والحرص عليها، خاصة وأن معظم المدققين الداخليين هم موظفين لدى المنشأة التي يجرون لها التدقيق. وما يزال هذا الاحتمال للتحيز قائمًا حتى عند اعتماد المنشأة على مقدم خدمات متعاقد معهم خارجياً للقيام بمسؤوليات التدقيق الداخلي.
ولتزويد إدارة المنشأة ومجلس الإدارة فيها بمنتج تدقيق يلبي توقعاتهم للجودة، يجب أن يكون المدققون الداخليون قادرين على ممارسة حكم مهني يخلو من التدخل الذي يمكن أن تتسبب به أحيانًا علاقة موظفيهم ـــ أو مقدمي الخدمة ــ مع المنشأة. والشك المهني هو أحد أهم عناصر الموضوعية. ومثل معظم المهارات التي يتعين على المدقق السعي لصقلها، القدرة على التعامل مع كل مهمة تدقيق مع وجود درجة مناسبة من الشك المهني يجب أيضاً أن تُنمى عن قصد من خلال التعليم والممارسة.

وجهات نظر عن الشك المهني
المعيار 1100: الاستقلالية والموضوعية من المعايير الدولية للممارسة المهنية للتدقيق الداخلي (المعايير) الصادرة عن معهد المدققين الداخليين الدولي والذي يشير إلى الموضوعية بأنها «نمط ذهني غير متحيز» مما «يقتضي عدم تبعية أحكام المدققين الداخليين بشأن مسائل التدقيق لآراء الآخرين». ويحاكي دليل سوير للمدققين الداخليين، الطبعة السادسة، هذا التعريف بالقول بأن الموضوعية «موقف محايد غير متحيز يجب أن يتمتع به جميع المدققين الداخليين عند تأديتهم لعملهم» إلا أن المحافظة على موقف كهذا عند تأدية مسؤوليات المهمة بفاعلية ليس بالأمر السهل، ويعتمد الأمر على تطوير عدد من المهارات ذات الصلة مثل التفكير النقدي والتقييم الذاتي والتواصل مع الآخرين.
إن التعريفات الواردة في المعايير ومعايير سوير ترى أن الشك المهني هو البقاء على الحياد فيما يخص تعامل الفرد مع أعمال التدقيق. وفي وجهة النظر هذه لا يفترض المدقق الداخلي أن الإدارة مضللة ولا يفترض أنها صادقة بلا نقاش يجب أن تكون لديه ببساطة عقلية تساؤليه ويقيّم أدلة التدقيق تقييماً نقدياً. وتتوقع نظرة «الحياد» هذه للشك المهني بأن يكون المدققون قادرين على عزل أنفسهم عن تلك التحيزات الخارجية والداخلية التي قد تؤثر سلباً في قدرتهم على تقييم أدلة التدقيق بموضوعية. إلا أن وجهة النظر هذه عادة ما تخلِّف وراءها أسئلة دون إجابة عن كيف يمكن للمدققين أن يحددوا متى كانوا فعالين في ممارسة الشك في نهج التدقيق الذي يتبعونه أو كيف يتم قياس مدى التأثير المحتمل على تقييم أدلة التدقيق إذا لم يمارسوا هذا الشك.
من جهة أخرى، فإن المعايير التي تركز على الاحتيال، مثل معايير هيئة الرقابة المحاسبية في الشركات العامة الأمريكية، القسم 316 أ، النظر في الاحتيال في تدقيق البيانات المالية، تتبنى وجهة التدقيق التحقيقي للشك المهني الذي يأخذ فيه المدققون موقف «الشك الافتراضي» ويفترض مستوى معين من التضليل من الإدارة، إلا إذا بينت الأدلة عكس ذلك. وبالنسبة للمدققين الداخليين، قد يكون هذا النهج قابلاً للتطبيق عند التفكير باحتمال وجود احتيال في جميع أنواع التدقيق.
ووفقاً لوجهة نظر الشك الافتراضي، فإن المدققين الذين يمتلكون مستوى عال من الشك المهني على الأرجح يشكون في مدى كفاية الأدلة التي عادة ما يُرى أنها تدعم بشكل كافي الهدف من التدقيق. ويميل هؤلاء المدققون إلى جمع المزيد من الأدلة، مما قد يؤدي إلى تدقيق أقل كفاءة.
وبزيادة الاعتماد على عمل التدقيق الداخلي الذي تؤديه أطراف خارجية، يجب أن يلاحظ المدققون الداخليون أنه يبدو أن الجهات الرقابية تتبنى منظور الشك الافتراضي في الشك المهني. وعادة ما تورد الجهات الرقابية الشك المهني على أنه العنصر المفقود في موضوعية المدقق كلما حدث فشل في التدقيق الخارجي. وقد وصّفت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية في كثير من الأحيان عدم وجود الشك المهني بأنه أحد العوامل الرئيسية المساهمة في الظروف المتعلقة بقضايا إنفاذ القانون، أيضًا بدعاوى الممارسات الخاطئة المرفوعة ضد المدققين الخارجيين.
وكذلك تميل هيئات إنفاذ القانون إلى الإشارة إلى معايير التدقيق الداخلي في حالات الاحتيال. وبأخذ ذلك في الحسبان، يجب أن يكون المدققون الداخليون مستعدين للتصدي أو الدفاع عن مستوى الموضوعية التي يتمتعون بها في إتمام عملية تدقيق سيعتمد عليها آخرون أو تكون أساساً لتحقيق خارجي. وللقيام بذلك يجب أن يكون المدققون الداخليون قادرين على فهم هذه المهام واكتشافها والتعامل معها بمستوى ملائم من الشك المهني.

سلسلة الشك المستمرة
يقترح كل من الأستاذين الجامعيين ستيفن غلوفر ودوغلاس بويت من جامعة بريجهام يونج وجهة نظر مختلفة لممارسة الشك المهني في منشور عام 2013 من مركز لجنة السياسية العالمية العامة لجودة التدقيق، التي تضم أكبر شركات المحاسبة العامة. وفي منشور تعزيز الشك المهني لدى المدقق، ينصحان المدققين بالتعامل مع كل مهمة بإتباع «سلسلة مستمرة من الشك المهني» حيث يعتمد مستوى الشك الملائم على خصائص مخاطر المجال الخاضع للتدقيق.
وفي سلسلة الشك المستمرة هذه، ينتقل مستوى الشك المهني من شيء أقل من الثقة التامة إلى تفكير محايد، وإلى الشك الافتراضي، ثم بشكل كامل إلى الشك. والمستوى الملائم من الشك الذي ينبغي تطبيقه لا يُحدد مبدئياً إلا بعد إجراء تقييم دقيق وصارم للمخاطر. إلا أن غلوفر وبويت يشددان على أنه ولضمان استمرار تطبيق المستوى الملائم من الشك المهني عند جمع جميع أدلة التدقيق وتقييمها، يجب أن يعيد المدقق تقييم هذا التحديد المبدئي لمستوى الشك طوال فترة تأدية المهمة.
عند إتباع نهج سلسلة الشك المستمرة، يتطلب الأمر أدلة أقل إقناعًا للحالات التي لا توجد فيها مؤشرات احتيال، ولا تكتشف فيها أخطاء، ويتم فحص العمليات الروتينية التي تتطلب القليل من الحكم، وأدلة التدقيق تتفق مع التقييم المبدئي للمخاطر، بغض النظر عن مجال المخاطر التي يجري تدقيقها. وكذلك سيتطلب الأمر أدلة أقل إقناعًا لتأكيدات المخاطر الأقل هذه. وهذا يحرر المدققين من تركيز الجزء الأكبر من جهودهم على مجالات المخاطر المرتفعة حيث يجب منطقياً أن يكون هناك شك أكبر.

تعزيز الشك
الشك سمة شخصية وحالة ذهنية، وتشمل السمات الشخصية التي تساعد على قدرة المدقق على ممارسة الشك المهني المناسب الفكر التساؤلي والقدرة على التحليل والتقييم النقدي، والقدرة على حل المشاكل، والاستدلال الأخلاقي والمعنوي، والاستعداد لتعليق الحكم، والميل إلى البحث عن المعرفة، وفقًا لمقالة 2010 لأستاذ المحاسبة بجامعة بايلور، كاثي هيرت، «وضع مقياس لقياس الشك المهني». وهناك ثلاث قدرات إضافية تضمن أن التفكير الشكي للفرد سيُترجم إلى أفعال: الفهم المتبادل بين الأشخاص، والشعور بالاستقلالية والثقة القائمة على تقدير الذات. ويراعي الفهم المتبادل بين الأشخاص التحيزات البشرية عند تحليل الأدلة، بينما ترتبط الاستقلالية وتقدير الذات بالعزم والشجاعة لمواجهة الضغوط من الآخرين واستخلاص النتائج الخاصة.
وفي الممارسة العملية، أظهر البحث الأكاديمي أن طلاب التدقيق والمدققين الممارسين لا يختلفون فيما لديهم من مستويات الشك العامة، مما يتفق مع نظرية أن الشك سمة شخصية ثابتة نسبياً. وتطوير مهارات حل المشكلات الإبداعي هو أحد الطرق التي يمكن أن يزيد المدققون بها مستويات الشك لديهم .
قد يكون التشجيع على الشك المهني ببساطة تقديم التدريب على الاحتيال أو التدريب على الإتباع الملائم لسلسلة الشك المستمرة التي يقترحهما كل من غلوفر وبويت. وتقدم العديد من الأنشطة نقاط انطلاق لتعزيز الشك المهني لدى فريق التدقيق الداخلي.
تحسين التفكير النقدي يمكن أن يكون للتدريب وغيره من الأنشطة المصممة خصيصاً لتعزيز مهارات التفكير النقدي تأثير إيجابي على قدرة المدقق في التعامل مع أدلة التدقيق بمزيد من الشك. ويوجد الكثير من الموارد المتاحة لتطوير هذه المهارات.
التقييم الذاتي للموضوعية يدعو المعيار 1120 الصادر عن معهد المدققين الداخليين: الموضوعية الفردية، المدققين الداخليين إلى «أن يتصفوا بالحياد وعدم التحيز وأن يجتنبوا أي تضارب في المصالح». ومن الطرق المتبعة لقياس أي حالات محتملة لتضارب المصالح هو امتلاك أعضاء فريق يميزون العلاقات وغيرها من المؤثرات، مثل الصداقات مع الزملاء في المجال الخاضع للتدقيق، التي يُحتمل أن يكون لها تأثير سلبي على موضوعيتهم. ويجب أن يقيّم قادة التدقيق المستوى الذي به يمكن أن تؤثر هذه المؤثرات على حكم المدقق، ومن ثم تحديد طرق مواجهتها. تقرير مؤسسة أبحاث معهد المدققين الداخليين، الأبعاد السلوكية لأعمال التدقيق الداخلي: دليل عملي للعلاقات المهنية في أعمال التدقيق الداخلي، يمكن أن يكون مفيداً في تقييم العلاقات المهنية.
إشراك مدققين من خارج فريق المهمة يجب أن يدعو المدققون الداخليون عضوًا من مجموعة تدقيق ليست من ضمن فريق المهمة الحالية، متى ما كان ذلك ممكناً، لإجراء مقابلة لشخص، إذا كانوا يعتقدون أن علاقتهم الشخصية مع ذلك الشخص قد تؤثر سلبًا على قدرتهم بأن يكونوا متشككين الشك الملائم. ويجب أن يراقبوا المقابلة على أنهم غير مشاركين ويستخلصوا الاستنتاجات الخاصة بهم. بعد ذلك، يجب ان يستخلص المدققون المعلومات من الشخص الذي أجرى المقابلة لمعرفة استنتاجاته ومقارنتها باستنتاجاتهم، وتقييم ما إن كانت توجد أي اختلافات كبيرة نتيجة لدرجة الشك المتبع.
تقييم النظراء بعد التدقيق، يجب أن يطلب المدققون الداخليون من الزملاء مراجعة عملهم في مهام التدقيق الأخيرة التي تنطوي على درجة كبيرة من الحكم أو اختبار موضوعيتهم. وعلى هؤلاء الزملاء استجوابهم للدفاع عن نوع وحجم الأدلة التي تجمعت خلال المهمة. بعد ذلك يجب أن يقيّم كل من المدققين وزملائهم ما إن كانت الأدلة دعمت الاستنتاجات، وعلى ضوء أهداف التدقيق، وقيام المدققين بإبداء درجة مناسبة من الشك.

التأثير على الحكم
أخيراً، تؤثر قدرة المدققين الداخليين في المحافظة على الموضوعية أثناء إتباعهم الشك المهني على قدرتهم على إصدار الأحكام السليمة. ولكن بقدر ما للشك من أهمية، فإنه ليس إلا أحد العناصر التي تؤثر في الحكم المهني، إلى جانب التدقيق والخبرة بالقطاع.
عندما يبدأ المدققون الداخليون مهمتهم التالية، يجب أن يأخذوا في الحسبان كيف سيؤثر منظورهم في الشك المهني في نهاية المطاف على تقييمهم لأدلة التدقيق. يجب أن يأخذوا وقتهم لتوثيق طريقة تفكيرهم وتأثيرها على التقييم. وعلاوة على ذلك، يجب ألا ينسوا أن المدقق الكفء هو مدقق مشكك.

التباعد والتقارب
يرى كل من الأستاذة الجامعيين ديفيد بملي بريت ريكسوم من جامعة ولاية يوتا، وأندرو روسمان من جامعة كونيتيكت، أن الشك المهني ليس سمة أو طريقة تفكير، بل طريقة استدلال تشخيصي ترسخ في مراحل تحديد المشكلة والتنظيم من حل المشكلات الإبداعية. وفي دراسة في عام 2011 مولها مركز جودة التدقيق، وجد الباحثون أن تقديم التدريب عبر الانترنت لكبار المدققين لتحسين قدرتهم على التشخيص ليكونوا مشككين مهنيًا. وعلى وجه التحديد المدققون الذين أعطوا أدلة أقل إقناعًا وطُلب منهم إتباع التفكير التباعدي يليه التفكير التقاربي عند تقييم الأدلة.
يتطلب التفكير التباعدي من المدققين أن يستحدثوا تفسيرات للأدلة أو الحالات التي يكتشفون أنها غير عادية دون تضافر الجهود للتأكد أن كل تفسير صحيح منطقيًا. وعند تشكيل مجموعة كاملة من التفسيرات، يتبع المدققون التفكير التباعدي لتقديم تقييم منظم عن مدى معقولية كل واحد منها. ووجد بملي وزملاؤه أن التدريب على التفكير التقاربي زاد من عدد وجودة التفسيرات المستحدثة للحالة غير العادية. هذا بالإضافة إلى أنه يتوقع أن يستحدث كبار المدققين الذين تم تدريبهم على التفكير التباعدي والتقاربي تفسيرات أكثر وأن يختاروا في نهاية المطاف التفسير الصحيح مقارنة بالذين لم يتلقوا التدريب الكامل.
افترض الباحثون أن الوضع النموذجي للتفسيرات المستحدثة يستلزم الفحص المستمر للتفسيرات المحتملة وهو ما يعرف "بفحص الانسجام." وعلاوة على ذلك، افترضوا أن المدققين الذين دُربوا على تطبيق سلسلة من التفكير التباعدي يليه التفكير التقاربي لن يلجأوا إلى "فحص الانسجام"." وينخرط صناع القرار بصورة عفوية في عملية فحص الانسجام عند تقييم التفسيرات عند وقوعها، ويتم استبعاد بعضها بناء على تفكير سطحي. إن التدريب على نوعية التفكير يقود الأشخاص، خلال المرحلة التباعدية، إلى الاحتفاظ بالتفسيرات التي استحدثوها لتقييم لاحق خلال مرحلة التفكير التقاربي من عملية الاستدلال التشخيصي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل وزارة المالية وخطوط الدفاع الثلاثة و منظمة COSO

نشأة وتطور وظيفة التدقيق الداخلي - الكاتب اكرم الوشلي

لا تخلط بين الاستقلالية والموضوعية