التدقيق الداخلي يقوم على الخبرة الحقيقية ﻻ على أعداد الموظفين فقط

التدقيق الداخلي يقوم على الخبرة الحقيقية… لا على أعداد الموظفين فقط


الكاتبة: سابين تشارلز ، المقالة نشرت هنا - الترجمة آلية بواسطة الذكاء الصناعي 


الشهادات المهنية توفر أطرًا منهجية لتطوير مهارات التفكير النقدي

تواجه حوكمة الشركات تحديًا شائعًا يتمثل في صعوبة ترجمة المخاطر التشغيلية إلى لغة استراتيجية يمكن لمجالس الإدارة اتخاذ قرارات بناءً عليها. فكثيرًا ما تجد لجان المراجعة نفسها أمام مئات الصفحات من الملاحظات التفصيلية منخفضة المستوى، في حين تبقى المخاطر النظامية الجوهرية دون إبلاغ أو معالجة مناسبة.

وترى سابين تشارلز، الرئيس التنفيذي لشركة Charles Financial Strategies الاستشارية، أن الشهادات المهنية مثل CIA وCPA وCISA يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في فهم الإخفاقات السابقة ومنع تكرارها مستقبلًا.

رغم أن مؤشرات التحذير الحديثة — مثل غرامات هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) أو الاختراقات المكلفة — واضحة وصاخبة، إلا أن العديد من لجان الإشراف لا تزال تقيس النجاح بعدد الموظفين أو بحجم الميزانيات المخصصة، بدلًا من تقييم مستوى الكفاءة الفعلية للفرق الرقابية. إن تجاهل الخبرة الحقيقية يخلق فجوة عميقة بين احتياجات المؤسسة ومستوى مهارات العاملين فيها.

وفي ظل تشدد البيئة التنظيمية، تستفيد المؤسسات من وجود مهنيين معتمدين في فرق التدقيق لديها. فالشهادات المهنية مثل المدقق الداخلي المعتمد (CIA)، والمحاسب القانوني المعتمد (CPA)، ومدقق نظم المعلومات المعتمد (CISA) توفر أطرًا منهجية لتطوير مهارات التفكير النقدي والمهارات الفنية التي تتطلبها الحوكمة الحديثة. كما أن التدريب المتقدم يسهم في تعزيز موثوقية التقارير السنوية وزيادة ثقة أصحاب المصلحة.


فجوة المهارات… مصدر خطر قابل للقياس

تعاني فرق المراجعة الداخلية أحيانًا من ضعف المعرفة المتخصصة التي توفرها البرامج المهنية الصارمة. فالقادة بحاجة إلى مهارات تحليلية قادرة على تحدي افتراضات الإدارة التنفيذية. فالشخص غير المدرب قد يظن أن وجود سياسة مكتوبة يعني بالضرورة وجود حماية كافية، بينما يقوم المتخصص بتتبع تدفقات النقد أو البيانات عبر كل خطوة رقمية للتحقق من فعالية الضوابط عند حدوث المخاطر. هذا النوع من الاختبار العميق هو ما يميز الخبير عن المبتدئ.

ويبرز مجال الأمن السيبراني مثالًا واضحًا على هذه الفجوة. إذ يشير تقرير صدر عام 2024 إلى أن أكثر من نصف المؤسسات تعاني من نقص في الكوادر، مع وجود فجوات ملحوظة في المهارات السلوكية وخبرات الحوسبة السحابية، ما يجعلها عرضة للمخاطر في وقت أصبحت فيه المرونة الرقمية ضرورة استراتيجية.

كما يؤكد تقرير صادر عن جمعية فاحصي الاحتيال المعتمدين (ACFE) هذا التحدي، إذ أشار إلى أن ما يقارب نصف حالات الاحتيال الوظيفي حدثت بسبب ضعف الضوابط الداخلية (32%) أو تجاوزها (19%). وهنا تلعب وظائف التدقيق والرقابة دور خط الدفاع الأول، فيما تمثل الشهادات المهنية أحد المسارات لبناء هذه القدرة.


سد فجوة الحوكمة التقنية في عصر الذكاء الاصطناعي

أدى التسارع في تبني الذكاء الاصطناعي وأنظمة اتخاذ القرار الآلي إلى زيادة تعقيد مشهد الحوكمة. إذ تسارع المؤسسات إلى تطبيق أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحقيق ميزة تنافسية، أحيانًا دون استكمال تقييمات مخاطر الموردين أو مراجعات خصوصية البيانات.

في هذا السياق، تتحول شهادات مثل CISA من ميزة فنية إلى ضرورة استراتيجية. فهناك فرق بين فرق تستكشف التقنية، وأخرى تمتلك خبرة تقنية عميقة. المدققون الحاصلون على تدريب متقدم قادرون على فحص آليات اتخاذ القرار الخوارزمية، والتحقق من المدخلات والمخرجات، وتقييم سلامة منطق معالجة البيانات.

كما يمكنهم ضمان الامتثال للأطر التنظيمية الناشئة، مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي أو قواعد الإفصاح عن الأمن السيبراني الصادرة عن هيئة SEC. وبدون هذه الخبرة المتخصصة، قد تعمل المجالس بمعلومات ناقصة حول التحيزات الخوارزمية أو الثغرات الأمنية.


يجب أن تقدم وظيفة التدقيق معلومات جاهزة لأمانة مجلس الإدارة

من أبرز تحديات الحوكمة الحديثة القدرة على تحويل المخاطر التشغيلية إلى رسائل استراتيجية قابلة لاتخاذ القرار. فكثيرًا ما تغرق لجان المراجعة في تفاصيل إجرائية — مثل نقص توقيعات أو فروقات طفيفة — بينما تبقى المخاطر النظامية الكبرى دون تسليط الضوء الكافي.

كشف تقرير صدر عام 2025 عن Baker Tilly جمعية المدققين الداخليين أن الوعي بإدارة المخاطر في تزايد، لكنه لا يترجم دائمًا إلى قرارات استراتيجية فعالة. إذ أشار أقل من نصف المشاركين (49%) إلى أن الوعي بالمخاطر متغلغل فعليًا في مؤسساتهم، بينما أكد 60% فقط أن معلومات المخاطر تُستخدم في التخطيط الاستراتيجي.

يمكن لقيادة تدقيق قوية أن تسد هذه الفجوة، إذ تركز برامج التدريب المهني على مواءمة أعمال التدقيق مع الأهداف الاستراتيجية، ونقل الحوار من “ما الخطأ الذي حدث؟” إلى “ما الذي قد يمنعنا من تحقيق أهدافنا مستقبلًا؟”.

وقد تجسد هذا التحدي بوضوح في أواخر 2024 عندما فُرضت غرامة تاريخية بقيمة 3 مليارات دولار على TD Bank بسبب إخفاقات في مكافحة غسل الأموال. ورغم أن التدقيق الداخلي بالبنك كان قد رصد بعض المشكلات، وصف المنظمون إطار الحوكمة العام بأنه “منعزل وضعيف ثقافيًا”، ما سمح باستمرار تجاوزات الضوابط لسنوات. كما أشارت لائحة الاتهام إلى أن أكثر من 92% من المعاملات لم تكن خاضعة للرقابة بين عامي 2018 و2024.

توضح هذه الحالة أن الحوكمة الفعالة لا تقتصر على اكتشاف المشكلات، بل تتطلب هياكل تنظيمية تضمن معالجة نتائج التدقيق وتخصيص الموارد المناسبة لها، إضافة إلى ثقافة مؤسسية داعمة والتزام إداري واضح.


الجدوى الاقتصادية للاستثمار في قدرات التدقيق

تتصاعد تكاليف الامتثال عالميًا، إذ تتحمل المؤسسات المالية وحدها أكثر من 206 مليارات دولار سنويًا وفقًا لأحد التقارير. غير أن وجود وظيفة تدقيق داخلية كفؤة يمكن أن يخفف هذا العبء من خلال تحسين الكفاءة وتقليل الاعتماد المفرط على الاستشاريين الخارجيين.

فعندما يحمل المدققون شهادات مهنية، يمكن أن تعتمد أعمالهم على معايير صارمة، ما يسمح للمراجعين الخارجيين بالاعتماد عليها بدرجة أكبر، وبالتالي تقليل ساعات الفحص وتكاليف المراجعة. كما يضيف المدققون المعتمدون قيمة استشارية من خلال اكتشاف مواطن الهدر وعدم الكفاءة، إلى جانب مخاطر الاحتيال.

لذا، ينبغي النظر إلى تكلفة قدرات التدقيق بمنظور شامل، لا يقتصر على الرواتب والتدريب، بل يشمل أيضًا تكلفة الاحتيال غير المكتشف، وضعف الاختبارات، والاستعانة بمستشارين لمعالجة إخفاقات كان يمكن منعها. إن الاستثمار في التطوير المهني هو استثمار وقائي طويل الأجل.


الخلاصة

مع اشتداد المتطلبات التنظيمية وارتفاع توقعات المستثمرين بالشفافية، أصبح من الضروري أن تعيد لجان الإشراف وقادة الامتثال تقييم قدرات فرقهم بجدية. توفر الشهادات المهنية مسارات منظمة لبناء المعرفة المتخصصة التي تتطلبها الحوكمة الحديثة.

ورغم أن الشهادات وحدها لا تضمن فعالية الإشراف — إذ تظل الثقافة المؤسسية ودعم الإدارة عنصرين حاسمين — فإنها تشكل إطارًا لتطوير الخبرة الفنية والمعايير الأخلاقية اللازمة لوظيفة تدقيق قوية.

وفي عصر تتزايد فيه المخاطر وتكاليف الامتثال، يصبح الاستثمار في تطوير فرق التدقيق جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية حوكمة شاملة.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دليل وزارة المالية وخطوط الدفاع الثلاثة و منظمة COSO

نشأة وتطور وظيفة التدقيق الداخلي - الكاتب اكرم الوشلي

لا تخلط بين الاستقلالية والموضوعية